فهم يسبق الحكم
إن من أهم ركائز دعوتنا
تقوى الله : نصلح بها ما بيننا وبين الله فيحبنا الله ويمنحنا البصيرة ( ويجعل لنا نوراً نمشي به ) وفرقانا
وحسن الخلق : نصلح به ما بيننا وبين الناس جميعاً فيكونون آذاناً صاغية لما نقوله لهم (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً )هاتان ركيزتان لا غنى لأفراد الجماعة عنهما تعصمهم من الشهوات والشبهات فلا يضلهم شيطان الإنس ولا يغويهم شيطان الجن ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) ومع هذه التقوى وحسن الخلق فهم في أمس الحاجة إلى الوعي والفقه : وعي ديني، ووعي فكري، ووعي سياسي، ووعي حركي ، فيتحقق بذلك شمولية الفهم ، وتنضبط حركتهم بقواعد الشرع ، ويصبح أصول الفقه وقواعده إطار حركتهم المحكومة بهذا الفهم ، ويوم يرى أعداء الدعوة هذه الجماعة المحكوم سيرها بفقه ووعي قد تحصنوا بقوة الرباط الإيماني ، وقوة الرباط التنظيمي يزداد حقدهم وكيدهم ومكرهم ومخططاتهم لصرف رواحل الدعوة وأفرادها عن غاياتهم النبيلة وأهدافهم الكبيرة وذلك بشن حرب خبيثة لتشويه المفاهيم بجدل عقيم وقضايا فرعية وإحياء تاريخ للمسلمين كثر فيه الجدل والخلاف ، لبث الفرقة وتمزيق الأمة وإضعافها ،
ولا يمكن مواجهة هذه المخططات إلا :
بفهم دقيق ، وإيمان عميق ، وحب وثيق ، وعمل متواصل ، ووعي كامل ، لتكتمل بذلك شخصية المسلم الكيس الفطن ذو الفراسة التي هي من نور الله فيبدد بها ظلماتهم ويفشّل مخططاتهم ويقذف بالحق الذي يحمله على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق .
ولكي تكون الحركة منضبطة كان لابد من: إخلاص في العمل ــ وصواب في المنهج ــ ووضوح في الفكرة ــ وقوة في الحجة ــ ودراية بالمجتمع ــ وعلم بأحوال الناس ــ وفقه في الدعوة
ليتحقق لهم ما استعاذ منه عمربن الخطاب رضي الله عنه حين قال : ( اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر ، وعجز التقي ) ولن يكون ذلك كذلك إلا إذا تلافى الداعي الأحكام الانفعالية التي لا تبنى على الأصول الفقهية ولا توزن بميزان الفقه وأصوله ، أو التصرفات العاطفية التي ضررها أعظم من نفعها ، أو الخطابة المثيرة التي تستثير العواطف فتهيجها ولا ترشد العقول ولا تبصرها ، فيبعد عن حقيقة الواقع الذي يجب أن ينطلق منه وتزل قدم بعد ثبوتها .
فهم الواقع المعاش :
إن صاحب الدعوة لا يترك الواقع وحقائقه بل لابد من دراسته لينزل الحكم عليه ، أو يؤخر بيانه لحين الحاجة إليه دون ضرر ولا ضرار ، وإلا وقع في التهويل والمبالغة أو حتى الإفراط أو التفريط ، وابتعد عن قواعد الحركة المنضبطة التي تنتقل بالدعوة من ميدان المشاعر والانفعالات إلى ميدان التخطيط والتنظيم والتأصيل والتقعيد الذي يلتزم بالفقه وأصوله والذي يقدم أموراً ويؤخر أخرى ، وهناك حكمة تقول :
( لا كل ما يعرف يقال ، ولا كل ما جاز قوله جاء زمانه ، ولا كل ما جاء زمانه جاء أهله ورجاله )
وهذه المقولة متعلقة بقاعدة تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة والعمل ـ كما قال العلماء ـ
وليس غريباً أن نقول إننا اليوم في أمس الحاجة إلى هذا الفهم لأن الدعوة اتسعت وانتشرت في جميع أقطار العالم وتشعبت وكثرت علاقاتها بالآخرين ،( والمسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) وهذا الاختلاط وهذه المعاملات لا تستند إلى الأحكام الفقهية المجردة ولكن يضبط تطبيقها أصول وقواعد ولسان القوم الذين يتعامل معهم الداعي ، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : تُحسن السريانية ؟ إنها تأتيني كتب ، قال : قلت : لا . قال فتعلمها ، قال : فتعلمتها في سبعة عشر يوماً . وصدق الله القائل : " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ " وما تَعلٌّم اللسان إلا لحسن تخاطب الداعي وكياسته في التعامل مع الآخرين .
وهكذا فإن الداعي يحتاج بجانب علمه وتخطيطه تجرد لله في عمله ، ووعياً وفقهاً يتفرس به ما يحاك له من مؤامرات ودسائس ، فكم من تقي افتقد الوعي فسقط في شَرَك الأعداء ، وكم من داع لا تقوى له فكان على شفا جرف هار بإخلاده إلى الأرض واتباع هواه ، لهذا كله وضع الفقهاء والأصوليون قواعد وأصول لضبط الحركة وإنزال الحكم على أرض الواقع مثل:
ــ لا ضرر ولا ضرار
ــ الضرر لا يزال بمثله
ــ الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف
ــ اختيار أهون الشرين
ــ إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما
ــ درء المفاسد أولى من جلب المصالح
ــ الضرورات تبيح المحظورات وغير ذلك من القواعد الأصولية المعروفة .
ومن هنا ليس من المهم أن تصل حقيقة الحكم إلى الناس فحسب ، ولكن الأهم هو الأسلوب والطريقة والتزام القواعد والأصول الفقهية في البلاغ ، فكن من الذين يعلمون الحق ويرحمون الخلق ( كونوا كالشجر يرمى بالحجر فيلقي بالثمر ) ورضوان الله على يحيى بن معاذ حين قال : ( أحسن شيء كلام رقيق ، يستخرج من بحر عميق ، على لسان رجل رفيق )
الفقه ليس هو حفظ النصوص :
والجدير بالذكر أن الفقه غير حفظ النصوص واستظهار الأحكام ، وسرعة الاستشهاد بها ، ففهم الدين هو الأصل في التدين وعليه يتوقف إنجازه ، ولذلك كان للفهم فقهه الخاص به وضع له الإمام البنا عشرين أصلاً سماها الأصول العشرين ، وقد أفاض الأصوليون في بيانه وتبويبه وتنظيره حتى غدا منضبط القواعد ، ولكي يعمق هذا الفهم تأمل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس حين قال : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فليس الأمر حفظ نصوص وإصدار أحكام مجردة بل يسبق الحكم فقه وتأويل .
كانت هذه المقدمة الموجزة لتأصيل الكلام في قضية كثر فيها اللغط والغلط في هذه الأيام ألا وهي قضية السنة والشيعة الذي كثر الكلام عنها ، وبعض هذا الكلام لا ينقصه حسن النية وإن ضرّ ، والكثير منه يراد به صرف المسلمين عن قضاياهم الكبرى وتوسيع هوة الخلاف بين أمة المسلمين الواحدة وهؤلاء ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ )
وبعد هذا التأصيل الموجز سنتناول بمشيئة الله تعالى الموضوع من نواحي عدة :
أولاً : من الناحية التاريخية :
إن العناية بدراسة ومعرفة الفرق الإسلامية لا يلزمنا اليوم إلا بمقدار ما نتعرف على المنهج الصحيح الذي رد به سلف هذه الأمة على فرق الضلال ، لنجابه به الضلالات المعاصرة ، فأهل السنة في كل زمان واجهوا الباطل في زمانهم وشغلوا أنفسهم بما ينفع مجتمعهم ، فعالجوا مثل هذه القضايا التي اعتبروها مهمة في زمانهم .
واليوم هناك فرق ضالة حديثة كالبهائية والقاديانية ، والماسونية ، والماركسية ، وغيرها من الفرق الضالة التي ظهرت في زماننا لحرب الإسلام ، أليست هي الأولى بالمواجهة من الفرق القديمة ؟ إننا لا حاجة لنا بالفرق القديمة إلا بقدر معرفة وجه الشبه بين القديم والحديث ، وننظر في منهج العلماء الذي واجهوا به أهل الباطل في زمانهم ، فإن أفادنا ونفعنا فب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ